“ما بين المهنة والمهانة” عنوانٌ يختصر حياة منى قبل أن تسطو يد العدوان على معطفها الأبيض، وتحوله فيما بعد إلى قطعة قماش تضع عليه أربطة الخبز التي اضطرت لبيعها إثر الظروف الاقتصادية الصعبة وتخلّي زوجها عنها في أشد الأوقات عسراً. تقول منى: “أنا دكتورة صيدلانية وكان إلي صيدلية خاصة من ١٣ سنة وبيت باسمي، ووضعي قبل الحرب كان ممتاز جداً تزوجت ومن بداية حياتي مشاكل وإهانات وأحرد عند أهلي وبعدها شريت قطعة أرض من شغلي وبنيت بيت بإسمي وقعدت أنا وولادي وكانت أمورنا مستقرة عندي شغلي وبيتي وقادرة أصرف على حالي وولادي”.
تبدأ منى بسرد سلسلة معاناتها الممتدة مع زوجها الذي تخلى عن مسؤوليتهم واستولى على ما يُصرف لهم من مساعدات غذائية ثم هجرهم وتركهم يواجهون صعوبة الحصول على لقمة العيش وتدبير أمور حياتهم اليومية. تقول منى: “بالحرب نزحنا أنا وإياه مع بعض على بيت أهله وصار بينا مشاكل وهو من النوع اللي ما بتحمل مسؤولية بضل يحكيلي هاتي بدي أدخن وأنا ما معي مصاري وما في مصدر دخل لأنه الصيدلية راحت”.
وتكمل: “ولما طلعنا على الجنوب قعدنا في مدرسة وهو ما عجبه العيشة هناك وصار يطردني واطلعي روحي عند أهلك ويصير يبهدل ويغلط لدرجة اللي حواليا يحكولي انت كيف متحملاه، وكل ما أحكيله روح اشتغل ما يرضاش وبعدها أخد حاله وطلع على دار عمه قعد عندهم، أرن عليه تعال شوف ولادك وهو يطنشني ولا كأنه موجود في الدنيا لدرجة بستلم الكابونة تعت أولادي وببيعها، حاولت أجيب الكابونة مقدرتش، رحت على المحكمة مسكرة ومش طالع بايدي إشي”.
وتضيف بحرقة واستياء: “عشان الوضع المادي صعب وفش صيدليات أشتغل ف اضطريت أنا وبناتي نشتغل بالمخبز، بصفوا بناتي ع الدور ويجيبوا الخبز وأنا ببيعلهم إياه، بدي أعيش أولادي إيش بدي أعمل بالنهاية، كنت وأنا واقفة على الدور دموعي ينزلوا يعني كيف وضعي كان وأنا صيدلانية وكيف صرت حالياً وهو مش حاسس بالوضع كأنه وقفتي على المخبز حاجة سهلة يعني”.
لم يهن عليها حالها فكانت تتوارى خجلاً وقهراً حين تصطف على الطابور لكنها تضع ذلك جانباً وتقدم مصلحة أطفالها على نفسها فهي الآن المسؤولة الوحيدة عنهم. ورغم حملها الثقيل إلا أنها لم تتوقع أن يتفاقم حالها مع زوجها حداً يصل بالهجران ثم الزواج عليها دون علمها. تقول منى: “المشكلة إنه بصرفش على ولاده ولا مدور عليهم يعني أرن عليه في الشتا أحكيله الخيمة غرقت تعال أعملها لولادك يطنشني ولما عمل معنا مشكلة وطلع على دار عمه بعد فترة بترن عليا حماتي بتقلي جوزك تجوز عليكي، صرت أرن لقيته حاظر رقمي وكل ما أكلم حد من أهله يحكولي تحكيش وتكبريش القصة.”
وتضيف: ” ومن بعدها بطلت أحكي معه بالمرة ولما صارت الهدنة روحت من الجنوب مشي لحالي مع ٥ أطفال وقديش كان الوضع مأساوي والناس كتيرة بشكل مش طبيعي وحاملين أغراض، وسبت الخيمة وخلص طلعت بدي أروح بكفي اللي كنا عايشينه وأنا ماشية في الطريق بعيط على ولادي يومها ماتوا من العطش والعياط يومها عشنا مأساة”.
وتضيف: “ولما رجعت على بيت حانون بعد بفترة صار التوغل وطلعنا بدون إشي واجيت على المدرسة وقاعدين في صف وإنت عارفة كيف عيشة المدرسة وفش خصوصية”.
تقف منى عاجزة أمام زوجها الذي استغل ظروف العدوان وما يترتب عليه من إيقاف عمل المحاكم وتأجيل القضايا القانونية، فلا قانون يردع ولا يوجد محاسبة وهذا الأمر قد أثر على حال الكثير من النساء في قطاع غزة، وتُركن ليواجهن مصيراً مجهولاً. تصف منى ذلك قائلة: “يا الله شكلي تغير كتير، أنا وجهي كله تجاعيد نفسيتي بالمرة تعبانة، مفكرين حالي ووضعي زي زمان، حالياً وضعي تحت الصفر، المسؤولية عليا كبيرة وأولادي دايما بعيطوا اليوم مش قادرة أوفرلهم ياكلوا. أنا هلقيت ولا اشي لا شغل ولا بيت هو اختار أسوء الظروف وراح عمل اللي بده اياه واستغل انه هلقيت لا في محاكم ولا في نفقات ولا قادرة أعمل اشي يعني فوق القانون هو عايش هلقيت”.
ترفض منى التنازل عن حقوقها الشرعية وتصر أن تعود للقانون ليضع كل شخص أمام مسؤولياته، ولكي تحصل على ما كفلته لها القوانين، فلم يعد يجدي نفعاً أن تحمل وحدها عبء النجاة والكرامة.
تختم منى: “وجوده مؤذي إلهم ما بصرف عليهم مش سائل عنهم بياخد أكلهم سايبهم في أسوء الظروف ابني زي اليتيم، مش فارق عن اليتيم في حاجة”.
“أنا إنسانة وإلي مشاعر بقول بدي أتطلق بس خايفة يضغط عليا بقصة الأولاد يخليني أتنازل عن حقوقي عشان الأولاد بستنى بس تخلص الدنيا عشان أرفع عليه نفقات وحقوق أنا ما بدي أتنازل عن حقوقي”.