أغسطس 20, 2025
معلَّقة، تُعاند الظروف لتكونَ حرَّة
معلَّقة، تُعاند الظروف لتكونَ حرَّة

“أنا حاسة إني فقدت أنوثتي وصار عندي عضلات زي الرجال لما بطلع بعتل جلنات الميا وبصف على التكية وبروح بجري على منطقة المساعدات عشان أدبر اللقمة “. هذا ما قالته صفاء وهي تعبّر عن الثقافة التي تربت عليها هي وغيرها من النساء في المجتمع الفلسطيني وهي صورة المرأة الأنثى، ولكن في ظل العدوان انقلبت المعايير التقليدية حول مفهوم الأنوثة، حيث اضطرت النساء للقيام بمهام تفوق قدراتهن الجسدية، وأصبحن أكثر تماسكاً؛ لأجل توفيرِ حياةٍ كريمةٍ لأبنائهن، فوقفنَ في وجه الجوعِ والموتِ والخوف، بلا أي فرصةٍ للراحة.

بدأت قصة صفاء منذ ٤ سنوات حين اضطرت للهرب مع ابنتها وطلب الطلاق نتيجة العنف الواقع عليها لكن زوجها رفض، وظلت منذ ذلك الوقت معلقة، تقول صفاء بالعودة لحياتها سابقاً “أنا كنت عايشة في بيئة واعية ومتعلمة وبعدها تزوجت في مدينة تانية وبيئة تانية وواجهت مشاكل مع زوجي وضرب وغلط لأنه كان تبع مخدرات وكان معايا بنت وكنت خايفة على بنتي تتربى في هادي البيئة فاضطريت أهرب من دار زوجي واجيت على غزة بعد ما اعتدى عليا بالضرب بالحديدة وفتح راسي”.

وتكمل: “وبعدها بفترة طلبت الطلاق وقررت أحط حدود لنفسي لأنه نظرة المجتمع للمرأة اللي بتطلب الطلاق نظرة جاهلة، بس ما رضي يطلقني حكالي أتنازل عن بنتي وعن حقوقي وأنا ولا يمكن أتنازل، وما همه بعدها تزوج ٣ مرات ولحتى الآن ما بعطيني نفقة لبنتي، وهيني على هالحال معلقة ٤ سنين”.

جارت عليها الأيام، خاصةً تلك التي جاءت محملةً بكاملِ أتعابِها وألقتها على كتفها، عانت صفاء من أعباءِ النزوحِ القاسي الذي خلفه العدوان على قطاع غزة، فاضطرت إلى تدبير أمورها بنفسها، والبحث عن أي فرصةٍ تَسدُّ بها رَمقها هي وطفلتها الصغيرة.

تحكي لنا صفاء: “في الحرب كنت أنزح لحالي لأنه كل واحد من أهلي طلع مع مرته وولاده، فطلعت على الجنوب وكنت أدور على شغل عشان أطعمي بنتي صرت أشتغل في فرن المخيم وأخبز للناس وأساعد السيدات مقابل مبلغ قليل وتعرضت للاستغلال بعدها من إدارة المخيم أكون بشتغل من أول النهار لآخره وبالآخر بتعطيني فُتات”.

لقد أصبحَ السعي وراءَ لقمةِ العيش مغموساً بالذل والإهانة، إذ تواجه الكثير من النساء محاولاتِ الابتزازِ من قبلِ أصحاب النفوس المريضة الذين يستغلون حاجتهنَّ مقابلَ مصالحهم الشخصية، لكنَّ صفاء وقفت في وجههم،

وأخذت تروي ما حدث معها قائلة: “صرت أحاول أحمي النسوان في المخيم وأوعيهم عن حقوقهم عشان ما يغلطوا غلطتي وحد يستغلهم، لأنه صاحبة المخيم ابتزتني عشان طلعت من عندها وهي مستفيدة مني بس أنا مش مستفيدة فلما حسيت الظلم اشتد عليا قلت خلص بكفي أخدت خيمتي وطلعت، خلص بطل فيا أعصاب قلت الله برزق”

لم تكن طفلتها الصغيرة صاحبة الجدائل في منأى عما يحدث، فقد كبُرت قبلَ أوانها حين وجدت نفسها تشارك مع والدتها في تحملِ مسؤوليةٍ محفوفةٍ دائماً بالمخاطر، في ظل تسيُّبٍ عام، وانعدامٍ للأمنِ والمراقبة.

تقول صفاء: “بنتي طبعاً بحاول تكون معايا وين ما أروح عشان تساعدني لأنه بخاف عليها أسيبها لحالها بالخيمة

أو تتعرض للتحرش، لدرجة محفظاها كلمة سر لو أنا طلعت واجا حد بده اياها لازم يحكيلها كلمة السر اللي متفقين عليها عشان تطمئن وأضمن إنه بنتي ما تنخطف لا سمح الله، بنتي وعيت وكبرت كتير لأنها شافت كل اللي أنا عشته”.

وتضيف: “اللي عشته والله ما هو قليل، النساء المعلقات فئة مهمشة في المجتمع لا هي محسوبة على زوج يسأل عنها ولا بتقدر تتزوج كمان مرة ولا أهلها بنفعوها فبتضطر تسعى لحالها ورا لقمة عيشها”.

مُعلَّقة، هي صفةُ تطاردُ السيدات اللاتي علِقنَ في منتصفِ حياةٍ لا تشبه شيئًا مما حلمْن به، ورغم ذلك تحدت النساء الظروف القاهرة في ظل العدوان الغاشم على القطاع غزة، ليضعن بصمة أمل لتغيير واقعهن الاجتماعي نحو الأفضل.

Other Topics