في عمر الخامسة عشرة، وفي ظل العدوان الذي حرمها من المدرسة، كانت جنى لا تزال تتمسك بكل فرصة لإكمال دراستها، لكنها لم تكن تعلم أنها ستتحول من طفلة وطالبة إلى زوجة، ومن عروس صغيرة إلى ضحية عنف لا حد له.
لم تدم فترة الخطوبة سوى أسبوع واحد، كان يسودها الهدوء والسعادة، لكن سرعان ما انكشف الستار وظهرت الحقيقة على هيئة كابوس. تقول جنى “كان كتير منيح معايا. وبيحكوا إنهم مستعجلين على الزواج بس طلع الهدف عشان أبوي ما يعرفهم منيح”.
ليلة الزفاف، سقط القناع “أخد مني دهبي وشلحني إياه قدام إمو. بعد أسبوع إمو حكت الدهب ناقص واتهمت أهلي إنهم ماخدينه. ضربني جوزي وخبطني بالمسدس ببطني. رن على أبويا وحط الجوال على تمي وضربني كف عشان يسمعه صوتي وأنا بصرخ وبعيط”، تكمل جنى “أبويا أغمى عليه، اجى يشوفني، وأمي تترجاهم بس يخلوه يشوفني عشان يروق بس جوزي ما قبل وضربني وطفى الضو وسكر عليا الباب.. خلاني بالعتمة”.
مع مرور كل يوم، كانت جنى تكتشف مساوئ جديدة في زوجها، بين خيانة وتعنيف وتعاطي مخدرات، حتى صارت تدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها “كل مرة أحرد، يقول بتوب ويرجعني. قعدت عند أهلي أكتر ما قعدت عنده”. تذكر جنى واقعة حدثت “مرة ضربني برجلي بآلة حادة، مسكت إيده وصرت أصرخ وأعيط. إجوا خواته يبعدوه عني فضربهم كلهم”.
لا يثني الزوج أحد ولا شيء عن معاملته.. حتى الحمل! أجهضت جنى مرتين خلال بضعة أشهر بسبب العنف الواقع عليها من قبل زوجها، مع تأكيد جنى على علم الزوج المسبق بحملها “مرة كنت نايمة وهو بيكلم بنات، ضربني بضهري بأقوى ما عنده وقال: قومي حضري أكل. قمت لقيت دم”، وتضيف “في المرة التانية كانت بسبب إني شكيت لإمو إنه بيكلم بنات، إمو حكتله، فمسكني من شعري ووقعني على الدرج، أغمى عليا وصار معايا رضة بكوعي وأجهضت على طول”.
لا سبب ولا مبرر لأفعاله، بل مجرد محاولة لفرض السيطرة والتحكم، تقول جنى “بيحكيلي بدك تكوني زي الطاولة. أوديك أجيبك على كيفي، بدون ما تحكي ولا كلمة”.
ولا يقتصر الأمر على الإهانة والضرب، بل يتعداهم إلى ما هو أبعد “مرة حطلي بكاستي زي بودرة، حكتله شفتك حطيت اشي، أنكر وشرب منها فتطمنت وشربت. بعدها نمت وبطلت قادرة أقوم ولا أحكي ولا أتنفس. صار يحاول يصحيني، ضليت لتاني يوم مدروخة وأنا ما بعرف ايش اللي صار”.
أعطته جنى الكثير من الفرص، لكن هذه المرة لا رجوع ولا فرصة للتوبة. تروي جنى ما حدث “كان بكلم فيديو وأنا بالمطبخ، سمعته بيحكي: بدي أعرفك على مرتي. طلعت بدي أشوف على مين بده يعرفني، لقيتها بنت! صار يحكيلي قدامها: تعالي يا كلبة”، صُدمت جنى مما رأته ومن تصرفه، وعندما ردت عليه اشتعل فيه الغضب “طفى الجوال وكسرني وحكالي: هلقيت بدك تروحي”.
رماها زوجها للمجهول، حيث كانت تعيش معه في جنوب قطاع غزة وأهلها كانوا قد عادوا إلى الشمال، والطريق طويل ولا تعرف كيف تسلكه. أُجبرت جنى على السير وحدها حتى لحق بها، ولم يكف عن أسلوبه حتى في الطريق وأمام الملأ “ركبنا (وكتوك)، صار يضربني ويقرصني والركاب يحكوله اسكت على الفاضي، بالآخر ضربني ورماني على زلمة. لما وصلنا المخيم عند أهلي صار يغلط بكلام قليل أدب وضربني، بس الشباب كلهم هجموا عليه وضربوه”.
بعد هذه الأحداث، حسمت جنى رأيها وقررت أنه لا سبيل للعودة إليه، وهو الأمر الذي تدعمه عائلتها كما تقول “والدي قال: حتى لو بدي أخسر كلشي المهم نخلص منه”.
سُرق من جنى طفولتها وحتى أمومتها، إلا أنها لا تريد اليوم غير الطلاق. لكن يبقى السؤال، كيف يمكن لها أن تحصل عليه في ظل غياب المحاكم بسبب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة؟