أغسطس 20, 2025
مها، بلا أمومة ولا أمان
مها، بلا أمومة ولا أمان

جاءت مها وهي تجرُّ قدميها المُتعَبتين، كأنّ فيهما أثقالَ عمرٍ من القهر، بعد أن قطعت مسافةً طويلةً بحثًا عن أي جهة قد تتمكن من إنقاذها مما تعانيه، وقد بلغَ بها التعبُ أشُدَّه، حتى شارفَ صبرُها على النفاذ.

منذُ سنوات، تعاني مها من عنفِ زوجها الذي أهملَ وجودها، وعاملها بقسوة، وفوقَ ذلك لم ينصفها أحد، لا من عائلة زوجها، ولا من عائلتها. تحكي مها: “كل مشاكلي بدت من سلفتي وجوزي لما صار منهم تجاوزات وأشياء عيب وحرام، تحملت هالحياة ١٠ سنين، ولما كنت أحكي لحمايا أو حماتي ما يصدقوا وانضرب وأتبهدل ويغلطوا عليا بألفاظ سيئة وجوزي يرميني بالشارع، ولما كنت أروح عند أهلي أتحمل من أبويا بهدلة وقلة أكل وتمييز بيني وبين خواتي”.

وفي ظلِّ العدوان الأخير على قطاع غزة، تفاقمت معاناة مها، إذ لم تجد في تلك اللحظات العصيبة سوى مزيدًا من العنفِ الجسدي، واللفظي، والاقتصادي. تقول مها: “في الحرب نزحنا على جنوب القطاع وكنت مع أهل جوزي كلنا قاعدين مع بعض، وشفت منهم الويل وكانوا يتفششوا فيا، وجوزي يغلط عليا، أكون جاية من برا يحكي اجت البومة ويبهدل قدام الكل، وأنا كنت ما أردش عشان ما يزيدش، إذا بدي أطلب منه اشي يحكيلي انت مين عشان أجيبلك، وحماتي تتسببلي بمشاكل وما تخلي كلمة إلا تغلطها عليا”.

وتكمل: “كان جوزي يمسك ابني أبو ٧ سنين ويحكيله ابعد عن أمك هادي أم مش محترمة، وهو ولد صغير مش فاهم ومرة صارت مشكلة مع حماتي، قام هجم جوزي عليا وطب فيا خبط بالسكينة وانجرحت وضليت قاعدة ما رحتش على مستشفى وياما ضربني بأشياء مؤذية وعلَّم على جسمي”.

شتمٌ بألفاظٍ نابية، وإهمالٌ متعمد، وعنفٌ تركَ ندوبًا ما زالت ظاهرة على جسدها، حتى انتهى بها الحال إلى الطرد من بيت زوجها وحرمانها من أطفالها، فلم تجد ملجأً سوى العودة إلى أهلها، الذين لم يكونوا أفضل تعاملاً، إذ استمروا في مضاعفةِ معاناتها، مكملينَ بذلكَ سلسلةَ العنف التي بدأها زوجها.

تقول مها: “ضليت على هالحال لعند ما صارت الهدنة ورجعنا على دارنا في غزة وصارت مشكلة فطردني من الخيمة بدون ما آخد اشي وحكالي انت طالق وأخد ولادي ف اضطريت أروح عند أهلي، وهناك نفس الحال ما فرقت كتير، عنف وذل وإهانة. بجيبوا أكل وأشكال ألوان وأنا رامييني آكل اللي آكله، وأنا لما بجوع بفقد توازني وبصير كل جسمي يرجف، وهما بكونوا مبسوطين وعايشين حياتهم، وما بحتاجوني إلا لما بدهم اياني أضب وأغسل وأجلي”.

وتضيف: “وإذا بطلب من أخوي يطعميني بحكيلي انصرفي من وجهي، هاد وأنا أكبر واحدة فيهم وبيني وبينه ١٠ سنين ف بطلت قادرة أطلب ولا اشي لا مصروف ولا أكل لا شرب ولا مستلزماتي الخاصة، لحتى الآن لما تيجيني الدورة بقص من أواعيا عشان أستخدمهم”.

وتكمل: “أبويا وأخويا دايماً بضربوني، مبارح لسا انضربت من أخويا الصغير أبو ١٦ سنة مسك عصاية خشب وقعد يضرب فيا لحتى الأن جسمي بجعني ومش قادرة أمشي وأبوي ساكتله وبشجعه، الي ٥ شهور على هالحال ومش لاقية مع أي حد أي وسيلة احترام ولا أدب ولا أخلاق ولا مصروف ولا أكل ولا حد مهتم فيا باشي”.

خمسةُ أشهرٍ من المعاناة، عاشتها مها وهي معلَّقة، محرومةً من أبسطِ حقوقها كأم، لم ترَ أبنائها، ولم تُمنح فرصةً للاطمئنانِ عليهم، وهم في أمسِّ الحاجةِ إلى حنانها ورعايتها، أما الآن فكلُّ ما تسعى إليه هو أن تحتضنَ أطفالها مجدداً.

تقول مها: “أنا بدي أطلع من عند أهلي ومن عند أهله وأقعد عند أولادي، إلي ٥  شهور بعيدة عن أولادي التلاتة الصغار بعرفش عنهم اشي، أكبرهم ٧ سنين وأصغرهم ٣ سنين، وبهدلة ببهدلة بضل عند ولادي، أنا متمسكة فيهم”.

وتكمل: “هلقيت قاعدة بجري عشان أحل حالي وأطلع من عند أهلي. أنا انحرمت الأكل والشرب والحاجات عند جوزي وجاية هلقيت أكررها عند أهلي، أنا صار معايا مشاكل نفسية منهم يعني بس أطلب اشي على طول بحكولي مفش معناش، طب ليش بعملوا هيك والله اشي بقهر”.

ومع غيابِ أيِّ تحركٍ قانوني أو اجتماعي نتيجة العدوانِ وإغلاقِ المحاكم، تعيشُ مها حالةً من الضياعِ والتيه، فقد تُركت لمصيرٍ مجهول دونَ أن تجدَ من ينصُفها، حالها حالَ الكثيرِ من النساء المعلقات اللاتي ينتظرنَ تدخلًا قانونيًا يضع حدًا لمعاناتهن. تقول مها: “هادي حياتي مش عارفة هيا معايا ولا ضدي، ما عمري شفت حد بيجي على بنته هيك وأهل جوزي نفس الاشي زي الفولة وانقسمت نصين هدول عندهم عنف وغلط وهدول عنف وغلط هنا حرمان وهناك حرمان ولحتى الآن فش كلام رسمي عن الطلاق أو الرجعة لأنه فش حد متحرك معايا ولا حد مدور عليا”.

Other Topics