أغسطس 16, 2025
نَاجية ولكن
نَاجية ولكن

بجسدٍ مُثقلٍ بالجراح، نجت رباب من تحتِ ركامِ منزلها؛ بعد ارتكاب الاحتلال مجزرةٍ بحق عائلتها، ما أدى لاستشهادِ والدتها، وأربعةٍ من أشقائها، وعدد من أقاربها، خلال العدوان الأخير على قطاع غزة.

في غمضةِ عين، فقدت رباب عائلتها، وبقيت أشهراً تُكابد ألمَ إصابتها، وهي التي كانت من المفترض أن تُزفَ عروساً إلى خطيبها، قبل أن تنقلب حياتها رأساً على عقب.

تعود رباب إلى ذكريات ذاك اليوم العصيب فتقول: “لما شد الضرب في بيت لاهيا حكى أبوي لازم نطلع وفش اسعافات لا سمح الله لو صار اشي، فطلعنا على دار عمي وبعدها بيومين صار الوضع صعب، ففجأة صارت الضربة وأنا فكرت حالي بكابوس، كنت حاسة بجسمي بس مش قادرة أتحرك، صرت أصرخ وأنا تحت الردم بس ما كان حد سامعني من فوق وأختي جمبي صرنا نصرخ فسمعونا الشباب واجوا يكسروا عشان يطلعونا”.

كانت دموعها أسبق من كلماتها، فلا شيء أصدق من مشاعرها وهي تروي الحدث، وبصوتٍ مختنقٍ بالبكاء قالت: “من كل الطابق اللي كان فيه ١١ نفر بس أنا وأختي اللي طلعنا عايشين”

وأكملت: “طلعونا وما كنت عارفة عن باقي أهلي اشي وصلت المستشفى وأنا صاحية وحاسة بالوجع، وصل أبوي

عندي وصار يعيط عليا من كتر ما هو ملامحي مش مبينة كانت حروق درجة تانية وتالتة ورابعة، قعدت أسبوعين مش حاسة بالدنيا من كتر الوجع ووقتها حكيت يا رب يكونوا أهلي استشهدوا وارتاحوا ولا عاشوا وجعي ولما

اجت أختي المصابة عندي حكتلي إنو إمي وخواتي الأربعة ودار عمي استشهدوا”.

بين حرقة قلبها وحروق جسدها، عانت رباب في أروقة المستشفيات من نقصان المستلزمات الطبية إثر الحصار الخانق الذي شنّه الاحتلال على القطاع الطبي، فأصبح المرضى كما قالت “بين الحياة والموت”.

تروي رباب ما حصل: “صار وقتها حصار المستشفيات فقلت كمية الأدوية وغيارات الحروق وحكولي الدكاترة رجلك بدها عملية واحنا هان مش قادرين نعملك اشي، ضليت في المستشفى وانقطعنا من كل اشي وكانت معاناة وقصف بشكل مش طبيعي”. وتكمل: “الأشهر الأولى كانت فترة حياة أو موت من كتر الوجع كنت أتمنى بس حبة مسكن وأبوي كان يحاول كيف ما كان يوفرلنا الأدوية”.

كان والدها هو ملاذها الوحيد، والمسؤول عن تدبير أمورها هي وشقيقتها المصابة، وبعد فترة قليلة من الاستقرار،

اضطروا للنزوح مرة أخرى، وكانت حينها الفاجعة، تحكي رباب: “في يوم توغلوا اليهود بالمنطقة وطلعنا بأعجوبة وضل أبويا عشان يحمل الأغراض ما لحقنا نوصل صار قصف شديد حاولنا نتواصل مع أبوي بردش، ضلينا يومين مش

عارفين نوصله بعدها جابولنا خبر إنه استشهد”.

بعد فقدانها لوالدها، اضطرت رباب للعيش مع شقيقتها المتزوجة، وبدل أن تجدَ بين يديها مأمناً، وجدت عنفاً لفظياً متكرراً، وانتهاكاً للخصوصية. تقول رباب في هذا: “أنا من وقتها مرضت كتير، فقدت سندي وضهري، بعدها صرت

أسمع كلام من أختي ومن القريب والغريب ومعايرة وتدخلات في أموري الشخصية يعني أنا هلقيت بس عايشة بستنى يفتح المعبر وأطلع لأنه علاجي مش موجود هان”.

تنتظر رباب أن تغادرَ لتلقي العلاج وهي التي كانت تستعدُ للمغادرة عروساً إلى خطيبها الذي ينتظرها، لكن ذلك الانتظارَ تحولَ لخيبةِ أمل، فلم يكن على قدرٍ من المسؤولية تجاهها، ولم يحترم ألمها، بل زادهُ عليها ضعفين.

تتحدث رباب بقهر عن خيبة الأمل التي جاءت في أكثر لحظاتها حاجةً للطمأنينة، فتقول: “خطيبي برا وعلى أساس أسافر ونتزوج بس صار اللي صار وأولها كان في تواصل بس قليل جداً ولما وفرت إنترنت حاولت أكسر الحاجز وأحكي معه صار بده يشوف إصابتي وكيف صار جسمي فوق ما هو ما سأل عني وما بادر يبعتلي اشي تغير في معاملته بعد ما شافني صار يغوش ويتحجج إنه مضغوط وبعدها كترت المشاكل يضل بالأيام ما يكلم ولما أواجهه يطلع مبررات كذابة”.

وتضيف: “صار يتعامل معي كأني شخص منبوذ، ما شافني كأني شريكة حياته وسنده صار يشوفني كأني جسد مشوه وهذا الموضوع خلاني أكره أشوف حالي بالمرايا بطلت أحب أشوف الناس، وبعد ما قعد فترة ما بسأل عني حكتله إذا ضليت هيك خلص كل واحد يروح من طريق وهو ما صدق وأنا صدرت الموضوع لعمي عشان يبدا بأمور الانفصال لأنه كرامتي فوق كل اشي”.

مع تخلي خطيبها عنها فقدت رباب آخر خيوط الأمان، فلم تعد الحجارة التي تراكمت فوق جسدها، هي نهاية الحكاية، بل بداية لسلسلةٍ ممتدةٍ من الألم والفقد، تحولت فيها رباب العروس إلى رباب الناجية، فالجريحة، فالشاهدة، على كل ما خلفه الاحتلال من نُدبٍ في قلبها، وعلى جسدها.

Other Topics