أغسطس 9, 2025
مات الولد
مات الولد

ما بين خيمةٍ هنا وخيمةٍ هناك، تعاقبت فصولُ السنة، جاءَ الشتاء ثم هبطَ الصيف، وما زالت إيمان وعائلتها والآلاف من العائلات الفلسطينية تتلقفهم صُنوفُ المعاناة وأهوالُ النزوح من أقصى جنوب القطاع إلى أبعدَ نقطةٍ على شاطئِ البحر.

كلُّ عائلةٍ كانَ لها بيتَها الآمن وركنَها الهادئ، كلُّ عائلةٍ كان لها حياتها وأحلامها إلى أن جاءت الحرب وقطَّعت الأوصال.

تروي لنا إيمان حكايتها وتسرحُ بذاكرتها قليلاً: ” كان عندي أحلام حلوة، كنت عايشة بأمان بين أهلي خلصت دراستي وبعدها تزوجت ربنا رزقنا ب 3 بنات كنا أنا وزوجي حريصين على تربايتهم بس ضل بنفسي أجيب ولد وبعدها كانت تقادير رب العالمين اني أمرض بمرض نادر بس الحمد لله بعد 3 سنين ربنا أنعم عليا بالشفاء وبعدها ربنا جبر خاطري وحملت بالولد وكنت خايفة عليه كتير كنت بالشهر التامن وصار اللي صار وبدت الحرب”

“بدت الحرب” وكأن فصلاً جديداً قاسياً قد بدأ، حاولت إيمان أن تُحاوطَ أسرتها وتُوفرَ لهم بعضاً من الأمانِ المفقود ومن جهةٍ أخرى أن تُحافظَ على نفسِها وجنينِها، فالحصولُ على طفلٍ ذكر بعد عددٍ من الإناث في مجتمع يفضلُ الذكورَ على الإناث شيئاً يستحقُ الانتظار. تقولُ إيمان :”كنا خايفين ومش عارفين ايش جاي علينا وكنت خايفة على حملي أكتر وزاد الخوف لما حكولنا نخلي لجنوب الوادي، ما كنا عارفين وين نروح وولا إلنا حدا هناك بس طلعنا والطلعة ما أصعبها”

كانَ طريقُ النزوحِ طويلاً لم يُعْرَف له نهاية ولا وجهة، وكانت إيمان تحملُ أوجاعاً تُعادل سِنيّها كلِّها؛ وجعَ تركِ البيت والمدينة ووجعَ النزوح، ووجعها على ما عانت هي وعائلتها. تقول: ” طول الطريق كان في طخ علينا وأنا كنت كتير تعبانة من الحمل وضلينا ماشيين لعند ما وصلنا مركز إيواء في النصيرات وكانت العيشة في مركز الإيواء معاناة معاناة المكان كتير زحمة وفوضى وما في خصوصية ولا مقومات حياة وأنا معايا 3 بنات صغار”.

لم يتحمل جسد ايمان كل هذا الانهاك فعانت من آلامِ الولادةِ المُبكرة وتملَّكها الخوفُ على جنينها الذي آثرَ القدومَ على الحياةِ مبكراً قبل موعدِ ولادته في ظروفٍ صحيةٍ صعبة، تقول: “التعب أثر على حملي وصار معي طلق وأنا بالشهر الثامن وما كان جاي موعد ولادتي ف اضطريت أروح على المستشفى مشي ما كان في مواصلات وأنا بس بدعي ربنا يسلم اللي ببطني” وتضيف: “هناك لما وصلت المستشفى كانت مليانة مصابين وشهداء على الأرض وبعدها دخلوني ع الولادة وما صحيت على حالي إلا وأنا والدة وابني أخدوه على الحضانة لأنه كان وضعه الصحي صعب وبعد أسبوعين من الولادة جابولي اياه كنت مبسوطة عليه بس كنت بتمنى لو إني في داري وأهتم بابني وأنيمه على سريره”.

وسطَ كلِّ هذا العناء جاءَ إليها طفلها ليخففَ عنها حزنَ الأيام، كانت سعادتها بقدومه لا تُضاهيها سعادة، لكنها لم تدُم طويلاً فقد عانت وعائلتها من مرارةِ النزوحِ مرةً أخرى، وحل بردُ كانونَ عبئاً جديداً عليهم فقد تسللَ إلى جسدِ طفلهم الصغير وأصابه بالإعياء، تقول: “كنا كتير تعبانين في المدرسة قعدنا فيها 3 شهور وبعدها نزحنا كمان مرة بس كانت أصعب طلعنا على رفح وقعدنا بخيمة على البحر بمنطقة المواصي كانت الخيمة مهرية والجو كتير برد كنا بفصل الشتا وفش قعدنا 3 أيام في عز هالبرد وابني حبيبي مرض أخدناه أنا وأبوه على المستشفى حكولنا الدكاترة عنده التهاب رئوي شديد ومحتاج يروح على العناية وحكولي بتقدريش تقعدي معه كان صعب عليا أسيبه كأنهم أخذوا روحي مني وبعد ما سبته رجعت على الخيمة وتعب الخيمة”

ظلت ايمان ليومين يعتصرُها القلق وتتوسلُ إلى خالقِها أن يَردَ طفلها إليها سليماً مُعافى، وظلَّ الطفلُ في قسم العناية المكثفة يصارعُ المرضَ قبل أن يتغلبَ على جسدِه الطريّ ويرتقيَ شهيداً من البرد.

تبكي ايمان بكاءَ الأمِ المكلومة وتُكمل: “وفش بعد يومين اجاني الخبر اللي هد حيلي وكسر ضهري ابني حبيبي توفى”

وتصفُ لنا حالها المُتعَبَ من بعده: “وضليت أنا وبناتي وجوزي بالخيمة والبرد كان رح يموتنا كنا دايما عيانين وفش معنا أغطية تكفينا وبعدها بكم شهر اليهود دخلوا رفح واضطرينا نطلع على الوسطى ومن خيمة لخيمة بس اللي تغير علينا هو فصل الصيف كانت الدنيا برد كتير صارت شوب كتير واحنا بخيمة لا بتقي برد الشتا ولا حر الصيف وهينا لساتنا على هالحال”

وتختمُ ايمان حديثها مسلِّمة أمرَها للواحدِ الأحد وراضيةً بقضائِه وقدرِه : “والله قلبي بجعني على ابني اللي راح وعلى حالنا وتعبنا وبحكي نيالهم اللي استشهدوا ربنا رزقهم مكان أحسن من اللي احنا فيه”.

فقدت ايمان فلذةَ كبدِها، حالَها كحالِ الآلافِ من الأمهات اللواتي فقدنَ أطفالهُنَّ بأبشعِ الطُرُق، ومع فقدانِ كل طفلٍ تترددُ صرخة مات الولد مات الولد..

في بلادي هُنا يقتُلُ الاحتلالُ الأطفالَ منذُ نعومةِ أظافرهِم، في بلادي هُنا يموتُ الأطفالُ قصفاً وبرداً وجوعاً ومرضاً وخوفاً وقهراً.

Other Topics