أغسطس 16, 2025
معاناة لا تنتهي
معاناة لا تنتهي

فصلان من العذاب، يقف استشهاد زوجها فاصلاً بينهما. سعاد، طالبة جامعية تدرس في غزة بعيداً عن والديها الّلذان يعيشان خارج فلسطين، تزوجت خلال فترة دراستها من ابن عمها، وأثناء حملها بطفلها الأول والوحيد اندلع العدوان الاسرائيلي.

وكما هو حال أهل غزة عامةً والنساء على وجه الخصوص لعب هذا العدوان أبرز الأدوار في تقرير المصير، تقول سعاد: “في أول العدوان استشهد عمي وإخوتي التنين، من بعدها اختلفت الحياة كلياً، لأنه ما عندي أهل هنا، زي ما بيحكوا الحيطة واطية”.

وكان من تبعات هذه الأحداث ازدياد العبء الاقتصادي على كاهل زوجها “زوجي صار مجبور يصرف على كل العيلة، مع إنه مش الكبير”، مما أدى لنشوب خلافات عائلية طالت سعاد نفسها “سلفي تعدّى عليّ في البيت مرتين بغياب زوجي”، وتعلّق ساخرةً على فعله “خذوهم بالصوت اغلبوهم، غيرة عشان زوجي اللي بيصرف”.

من ناحيةٍ أخرى، ازدادت حدة الخلافات بينها وبين عائلة زوجها “من قبل العدوان كان في تحريض من طرف أهله عليّ، إني سارقاه منهم وبضيع فلوسه، غيرة بين السلفات وبين الإخوة، وبهالعدوان صار يزيد”، وتضيف “دايماً مشاكل، وزوجي ما كان ينصفني. يضل ساكت عشان رضا إمه”. لكن صمته لم يدم طويلاً حتى انقلب على سعادعنفاً “في يوم كان متخانق مع أهله وإجى يتفشش فيّا، أكلت علقة مرتبة، آثار الضرب معلمة بكل جسمي ووجهي، وقتها صورت كل اشي على أساس لما أسافر عند أهلي أرفع عليه قضية، لأنه استقوى عليّا لإنه ما إلي حدا هنا، كنت في أول حملي الثاني وللأسف بعدها أجهضت، ضربني بإيديه ورجليه وكلشي بيقدر عليه، بعد ما خلص صار يبكي ويتأسف ويحكيلي مش قصدي وإجت فيكي”.

وبقى الحال على ما سبق حتى استشهاد زوجها، فلاقت من قبل أهل زوجها أبشع وأرذل أنواع الأذى “أكتر إشي صارت الأذية بعد استشهاد زوجي، صح ما كان يوقف لهم هالوقفة بس اسمه زوجي وموجود”، وتُفصّل “بدت المشاكل بعد أقل من ١٠ أيام من استشهاد زوجي، صاروا يشوفوني ببخل عليهم، عندهم فكرة إنه زوجي معاه فلوس كتير ونظرتهم استغلالية، مع إنه فعلياً مش تارك إلي اشي، لدرجة حاولوا ينكروا نسب ابني، بيقولوا ما بيورث، كأنه مش ابن زوجي”.

ولا ينتهي الأمر عند إنكار نسب طفلها، ليصل إلى قذفها والطعن بشرفها “لأنه قريبهم واقف بصفي، سلفتي اتصلت على زوجته تقول لها: “سعاد على علاقة مع زوجك وبدي أنصحك، وسعاد كانت بدها تاخد زوجي مني وكزا وحدة شكت وخايفة على زوجها وأولادها من سعاد. هالكلام كله وأنا لسه بالعدة، زوجي ما كان إله شهر مستشهد”.

يتجاوز أمر القول إلى الفعل، فيمنعها أخ زوجها من دخول بيتها أو أخذ أيٍ من ممتلكاتها، حتى الثياب “كزا مرة حاولت أروح على البيت أخذ أغراضي كان سلفي يتعرضلي. جبت الشرطة بسبب سرقة صارت، سلفي رشاهم وما اعترف بالمسروقات، من بعدها جنزر باب البيت الداخلي والخارجي وما قدرت أرجع على البيت آخذ اشي، اضطريت أشتري لبس من البالة وما كان في سيولة”. وتضيف “سلفي كسر لي باب الشقة مرتين عشان يدور على أوراق”.

تقول سعاد أنها لا تجد له رادعاً حيث يعرف كيف يتملص من أفعاله “بيعرف يطلع حاله زي الشعرة من العجين، بمجتمع إنتي بنت ويجي راجل يعمل فيكي السبعة وزمتها فش حد هيساعدك”. وتروي ما حدث معها حين قررت تقديم بلاغ ضده بعدم التعرض “قدمت بلاغ في الشرطة بعدم التعرض، لما استدعوه أنكر إنه مسكر الباب وإنه بيمنعني، ورفض يوقع على عدم التعرض. كان مفروض يروحوا يعاينوا المكان، بس اتدخل حد من القرايب وسكروا الموضوع، لما رحت على البيت تعرضلي، واتصلت على الشرطة، بيكون الشرطي جارنا، وأنا من أولها بدي الشرطة يخلوا سلفي يوقع على عدم تعرض!”، وتكمل “من بعد آخر موقف صار، أنا ما بروحش على بيتي لأنه هيرجع يتعدى عليا ولو كلمت الشرطة هيتلفق الموضوع من أول وجديد، كل ما بروح على البيت بلاقي مشاكل، مع إنه بيتي سليم ١٠٠٪، ومع هيك ما بقدر أقرب هناك”.

تُرجع سعاد هذه الأفعال بوصفها إلى “الطمع”، حيث يقف أخ زوجها حائلاً دون تقسيم الميراث “سلفي ما بده أقسم الورثة، ماخد ومتصرف بأكثر من حصته. كل ما تيجي السيرة بيقول بس ندفع للبلدية مع إنه كل اشي مدفوع بس هو بده يطلع أي حجة وخلص”، وتضيف “بيطلع إلى شقتين وحاصل مشترك وكمان ورثة من والدي بس مش قادرة كمان أقرب على حصة بابا”،

وبينما يحرمها من حقها، فهو يُلقي على عاتقها مسؤولية سداد ديون زوجها في الوقت الذي لا تملك فيه المال “سلفي أي حد بيطلب ديون من زوجي بيبعته إلي. بيتصلوا ناس بدهم فلوس من زوجي، طب أنا ما معيش من وين أدفع إلهم، والشيكات إلي زوجي بده إياهم من الناس مش معي عشان أطالب فيهم”.

بعد كل ما مرت به سعاد، فقد وصلت لمرحلة من اليأس توشك بها على التخلي عن كل شيء “عينت محامي وعملتله وكالة، عرفت بعدها إنه صحبة مع سلفي. ما بثق فيه بالمرة بس زهقت وما لقيت غيره، وأنا بدي أسافر وأريح راسي”. وتضيف بيأس من انقطعت به السبل “خلص سلفي سرقني كتير، يسرق كمان، خاصة إنو ما في حد يحميني”.

تستمر سعاد بقضم أظافرها كلما تذكرت حدثاً وكلما أسهبت في سرد قصتها، ثم تصمت برهةً كمن استدرك شيئاً فاته وتقول “لو لقيت محامي راح أرفع عن المحامي الحالي الوكالة. وإزا في اشي بيزبط ينعمل، بدي الشرطة تخليه يوقع على عدم تعرض إلي، بدي الورثة تتقسم”. وعلى هذا لا تطلب سعاد أكثر من حقها، ولا تتمنى أكثر من أن تجد لمطالبها إجابة.

Other Topics