تحت العدوان، يصبح كل شيء مؤلمًا وصعبًا، فكيف بمن يحاصرها ظل رجل مشخص بانفصام الشخصية ورافض للعلاج، فاقد الثقة بزوجته وعائلته، ويقضي حياته متنقلًا بين وهم الحب وجحيم الشّك.
“الحمدلله كلشي من الله، بس هو السبب بإصابتنا”. تقول عبير وهي تتحسر على ابنتها بعد بتر ساقها “كان في توغل بري في المنطقة واحنا في طابق عالي والأماكن العالية خطر. صرنا نترجاه ينزلنا تحت عند أهله، يحلف بالطلاق ويقول ممنوع تطلعوا ولا تنزلوا. خلانا بالخطر لأنه مخونّي مع إخوته من كتر الوسواس”. ثم قصفت القذيفة البيت دون سابق إنذار، وسالت دماء عبير وأطفالها “أنا وكل أولادي تصاوبنا، بنتي صار بتر لرجلها، ورغم هيك محسش بالذنب ولا تأنيب الضمير”. لم يكن الأمر يقتصر على إصابتهم نتيجة موقفه، بل هو أسلوب حياة قائم على الشّك الذي طال كل المقربين منه، تقول عبير “بيشك إنه إخوته بيعملوا فيا وفي بنتي اشي، وبإرادتنا، وإنه إمو اللي بتدخل أولادها علينا. من كتر الشك أخد بنتي على دكتور يفحصها إذا بنت ولا لا!”. وتعلق على شكوكه واتهاماته المستمرة وغير المنطقية “لو ما خونني مع أهله كان يمكن صدقوه، بس أول ما اتهمني اتهمني مع أهله وإخوته”.
لم يكن زوجها يقبل فكرة النزوح في مراكز الإيواء أو عند أحد من الأقارب خوفًا على عبير من الاختلاط بأحد، لكنهم وجدوا أنفسهم مضطرين بعد قصف منزلهم “ما بيأمن حد يحكي معايا أو يشوفني. بعد ما اضطرينا ننزح على مدرسة صار يخلينا نولع نار جوا الصف وننخنق من الدخنة والريحة، وعمل حمام جوا الصف عشان ما نطلع وحد يشوفنا”. ترى عبير أن سبب غيرته وشكه المبالغ فيه هو حبه لها الذي انقلب إلى الضد. وأمام استنكار الناس لتصرفه وتعامله معها يكون رده “بحبها، وبموت لو شفتها مع حد غيري”.
وطالما أن الحُجة حاضرة فيتصرف كما يحلو له ويلازمها كظلها ليل نهار في كل تحركاتها، تقول عبير “حتى لما بدي أروح على صف أخويا بنفس المدرسة لازم يجي معايا”. يستمر زوجها في تضييق الخناق عليها من كل الجهات، حتى في العلاقة الخاصة، مما يشعرها بانعدام الخصوصية “فصل جزء من الصف الي أنا وإياه، بينامش بالليل بالمرة بده يضل ينام معي ولما بقله ما بينفع هيك احنا أولادنا شباب وكلنا بصف واحد، بيكون رده: ما بتحبيني وبدك تتطلقي مني!”.
حتى أبنائه لم يسلموا من شكوكه كما تقول عبير “ما بيأمن أنا أو حد من ولاده نشتريله اشي، وما بيأمن هو يطلع يشتري ويسيبنا، صعب بالحالتين”. فإن أحضر له أحد طعامًا يرفضه بحجة أنه مخصص لإيذاءه “مرة يقول حاطين جواته اشي، أو حقنتوه إبر. لما أكل منه عشان أثبتله إنه فش فيه اشي يقول: معمول الي بس”.
ومع تصاعد المشاكل، كان يغضب ويعنفها، وكلما قررت تركه والرحيل يتشبث بها متوسلًا وطالبًا منها البقاء “يصير يمسك ويبوس ايديا ورجليا ويعيط عشان أضل معاه. وبكل مرة يقول آخر مرة”. تستنكر عبير تصرفه خصوصًا أنه يتخذ الوضع الاقتصادي مبررًا بغير وجه حق، فهو لا يقوم بواجبه كرب أسرة وينفق كل ماله على التدخين “لما بيعصب بيحكي لأنه معيش مصاري، راتبه بيضيعه على الدخان وما بيصرف علينا، حتى الأكل بنجيبه من التكية وراضيين. شو نعمل أكتر من هيك!”.
تزداد معاناة عبير مع استمرار العدوان الإسرائيلي وحرمانها وعائلتها من الاستقرار الذي هي أحوج ما تكون إليه في ظل حالة زوجها النفسية الصعبة، وما يترتب عليها من مشاكل وعقبات تجعل أبسط التعاملات اليومية تبدو مستحيلة.