بجسدها النحيل، تواجهُ منال عنفَ زوجِها ومرضَها المزمن، فقد نال كل شِقٍ في جسدها نصيبَه من السقم.
هذه السيدة التي أُجبرت على تركِ منزلها إثرَ الغارات المتواصلة، فنزحت إلى جنوب القطاع، حيث ظنت أنها في مأمن، فإذا به قد تحول إلى أكثر الأماكن ثقلاً ومرارةً في حياتها.
تتحدث منال عن الظروف التي عاشتها في بداية العدوان على القطاع، فتقول: “هلقيت طبعاً من أول ما بدا الضرب طلعت من داري مع بنتي وجوزي ويومين تلاتة نزل الجيش أوامر الإخلاء، فحكيت لجوزي خلينا نروح على الجنوب كنت خايفة على هالبنت اللي عندي، ما رضيش فطلعنا لحالنا وفي الطريق عانيت وتعذبت لما وصلت وهناك طبعاً بعرفش حد وأهلي مش عندي فحكيت للناس ينصبولي الخيمة وأنا اللي كنت متولية كل أموري من توفير أكل وتعباية ميا”.
وتضيف: “بعد ب ٣ أشهر نزح جوزي على الجنوب فطلعنا قعدنا معاه في مدرسة وكانت طبعاً كلها مشاكل، ما كانش يدور علينا مش سائل عليا ولا على بنتي ولما تطلعلنا كابونة يبيعها عشان يدخن حاولت إني أخلي الكابونات باسمي ما قدرتش، أقله طب بنتك بدها تاكل يقلي مليش دخل، فرجاني عذاب الدنيا كلها ويحكيلي أهلي أبدا منك ومن بنتك موتي انت واياها مش مشكلة برتاح منكم”.
تنصل زوجها من مسؤولياته، فتركها مع ابنتها تواجهان يومهما بكثير من الحيرة والتساؤل: كيف سيدبران طعامهما وشرابهما ومستلزماتهما؟ وبينما تنهكها محاولات النجاة بدأت علامات المرض تظهر بوضوح على جسدها. تحكي لنا منال ما حصل قائلة: “ضلينا على هالحال بعديها اجا خبر استشهاد أخويا وتعبت كتير ومن بعدها بدت معي المشاكل صرت أشكي من صداع مش قادرة أقف مش قادرة آكل أخدوني على المستشفى فحصوني لقوا السكر عالي كتير ودمي ٦ أعطوني مباشرة إبر كنت تعبانة لدرجة كان وزني ٣٠ كيلو كنت هيكل عظمي”.
وتضيف: “كل ما أتعب ياخدوني على المستشفى يدوني محلول وإبرة مسكن وأروِّح قعدت يمكن أسبوعين على هالحال لحد ما صار تمي عشقة وجهي انتفخ كنت حاسة روحي بتطلع، وجوزي ما رضي ياخدني على المستشفى يحكيلي إن شاء الله بتموتي فرنيت ع أهلي ورحنا ولما عملولي فحص كامل طلع عندي جلطة وقعدت في المستشفى أسبوع”.
اشتد المرض عليها، حتى بات جسدها يتهاوى رويداً رويداً، فأخذت تجوب أقسام المستشفيات بحثاً عن العلاج. تقول منال وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: “بعد بفترة شعري وحواجبي تكوا شوية شوية صاروا يحكولي حالة نفسية كل النسوان هيك روحي على نقطة طبية رحت ع المستشفى ألف على الدكاترة وين ووين لما عرفولي وحكولي عندك مرض الذئبة الحمراء وهلقيت باخد جلسات كيماوي وباخد أدوية كوم وإذا ما أخدتها الي الله، لما ما بتتوفر بضطر أستنى وبتعب كتير وبرتمي بالمستشفى”.
حالُها الآن كحالِ آلافِ المرضى، بعدما أصبحَ الحصول على الحق في العلاج أمراً بعيدَ المَنال، إذ يمنعُ الاحتلال دخولَ الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة، ومن جهةٍ أخرى يواجهونَ مئات العراقيل أمامَ سفرهم للعلاج بالخارج، فيظلونَ على هذا الحال، محاصرينَ في دوامةٍ من الانتظار والموتِ البطيء.
تصرُ منال على ضمان حقها في السفر للعلاج برفقةِ ابنتها، التي تخشى من تركها مع والدها سيءِ الخِصال.
تحكي منال: “أنا تعبانة هلقيت بستنى التحويلة لبرا قدمت وراقي وبستنى يفتحوا المعبر عشان أطلع أتعالج وبدي أضيف بنتي معي لأنه صار يحكيلي إن شاء الله بتروحي وما بترجعي ورح أحسرك على بنتك، أدبلك إياها من البرج وصار يعبي براس البنت عليا يحكيلها تسمعيش كلام إمك اغلطي عليها عشان أجبلك اللي بدك اياه، وحرام عليا أسيب بنتي تعيش مع أب زي هيك أنا أصلاً كل اللي كاسرني البنت ولا كان زمان خلصت منه”.
في الوقت الذي كانت منال بأمسِ الحاجة إلى زوجها ليكونَ لها عوناً وسنداً؛ أصبحَ عبئاً وهماً، فلم يراعِ تعبها بل زادَه عليها بالعنف الجسدي والحرمان من الطعام، وإجبارها على أداء مهام الحياة اليومية التي تفوق قدرتها على الاحتمال.
تقول منال: “بقله عندي فحص بدي مصاري بيرضاش عنده السيجارة أهم بطعميناش بشربناش حاسة بس إلي جوز بالاسم أما هو ولا كأنه موجود، أنا ليش أروح أصف على التكية وأصف على طابور الميا ليش أقف على الدور وأنا مريضة ومن التعب ارتمي بالشارع وأنا مش دارية عن حالي، هد صحتي صرت أزحف زحف، أنا كل اللي معايا من سوء التغذية جسمي كله واقع، صرت آخد حبوب للقلب تخيلي زيي ٣٥ سنة تاخد حبوب للقلب”.
وتكمل: “لما يصير مشاكل بعرفش ايش أسوي بصير أمشي بالشارع بعرفش وين أروح لو حكيت لأهلي حيصير مشاكل بعاود أرجع على الخيمة بصير يحكيلي وين دشرتي؟ بحكيله لو انت زلمة بتسيبش مرتك العيانة تطلع لحالها، اخخ ايش أحكيلك لما أحكيلك بدي مجلات عشان أطلع كل اللي بقلبي”.
في زمنٍ أصبحَ فيه داءُ العنفِ بلا دواء، لا يروى على ألسنة السيدات سوى جزءٌ قليلٌ مما تخبئه قلوبهنَ من حكايا مدفونة، يعجزنَ عن الافصاح عنها، فالوجع كبير والظلم أكبر وصدى أصواتهن يرتد إليهنَ بلا مجيب.