لم يكن زواجها بدايةً لحياةِ مستقرة وهانئة، بل كان بدايةً لسلسلةٍ من العنف الذي ما زال يُلاحقها حتى اليوم، فمنذ الأشهر الأولى للزواج وجدت فاطمة نفسَها في مواجهةِ القسوة والإهمال، تطردُ من منزل زوجها إلى منزل والدها ثم تعود، بلا حماية أو ضمان. عانت فاطمة من انتهاكاتٍ جسدية ونفسية تركت آثاراً دائمة على جسدها وروحها، كان أشدَّها حين تعرَّضت لضربٍ مبرح أدى إلى إعاقة جسدية جزئية.
تقول فاطمة: “أنا حياتي من أول ما تزوجت شهر عند زوجي وسنتين عند أبويا وكل اللي أنا فيه بدا قبل ٦ سنين لما صارت مشاكل مع زوجي ولجأت لحمايا عشان يحل بينا، صار يغلط عليا ومسكني رماني من أول الدرج فوقعت على راسي ونزل يخبط فيا، ومن بعدها صار معايا مضاعفات بطلت حاسة بالجزء الشمال من جسمي وغيبت، ونتيجة للضرب صار عندي جلطتين في الدماغ ومن وقتها بدت مشاكلي الصحية”.
وتضيف: “كنت حردانة عند أهلي ورجعت عنده قبل الحرب بأسبوعين وزادت معاملته السيئة معايا ومرة ضربني بالدبسة على رجليا وكسرهم ولحتى الآن بعاني من وجع رجليا وحكالي انقلعي عند أهلك طردني في عز الحرب والقصف، طلعت من عنده وقعدت في خيمة لحالي بعدها اجوا أبويا وأخويا قعدوا عندي ومن وقتها لحتى الآن لا سأل عني ولا بعرف عن ولادي اشي ولما أرن بفصل الخط بوجهي”.
استغل زوجها فوضى العدوان وغياب المحاسبة ليُمعن في إذلالها، فاعتدى عليها بوحشية، وطردها من بيتها، ثم حرمها من أطفالها الصغار، وهم في أمس الحاجة إليها. انتقلت فاطمة للعيش مع عائلتها، لكن حالها لم يكن أفضل، إذ تعرضت لعنفٍ جسدي ولفظي قاسٍ من والدها، بلغَ حدَّ محاولةِ القتل المتعمد.
تحكي فاطمة: “لما طلعت من عند زوجي وقعدت مع أهلي بالخيمة أبويا وأخويا كانوا قاسيين عليا عملوا فيا كل اشي، مرة أبويا أخدني على البحر وحكالي فش حد بسمعك هان، مسك علبة حديد وقعد يخبط فيها عراسي وايدي وفتح راسي لما الدم غرق وجهي وما كان عنده أي ذرة إنسانية إنه أنا بنته، وأخدني عالمستشفى أخدت غرز براسي وايدي تجبصنت”.
وتكمل: “بعدها يمكن صار عنده تأنيب ضمير١٪ وقعد أسبوع يعاملني منيح وبعدها رجع أسوء”.
بلا سببٍ أو مبررٍ سوى أنَّها زوجة معلَّقة لا تعرفُ مصيرها، يلاحُقها العنفُ من كلَّ جانب، ومع مرورِ الوقت، ازدادَ والدها قسوةً، وأجبرها على خدمةِ زوجته الجديدة، التي نالت منه كل اهتمام، بينما أُهملت ابنته تمامًا.
تحكي فاطمة: “تزوج أبويا بالحرب وحدة أصغر منه ب ٣٥ سنة، بعد ما إمي ماتت قبل الحرب بشهر، وهان بدا موال تاني من العذاب لما بدي أطلع ممنوع مرت أخوي بتطلعني بالسرقة، وبجيب الأكل إلو ولمرته وأنا راميني، لما أجوع بنزل على التكية بياخد الطنجرة مني، وبعطيني صحن صغير، وبخليني أعجن وأخبز وبالآخر بعطيني رغيف وأخويا الشب رغيف والباقي إلو ولمرته، مقتنع إنه برضي ربنا فيا برغيف الخبز اللي بعطيني اياه ولا بصحن الرز اللي بشبعش”.
هذا ما عاشته فاطمة: حرمانٌ من الطعام، ومن الأمان، ومن الملبس، ومن أبسطِ مقوماتِ الحياةِ الكريمة.
كما أنَّها أُجبرت على أداءِ مهامٍ يوميةٍ شاقة، لا تحصلُ مقابلها إلا على فُتات، لا يسدُّ جوعًا ولا يليق بكرامة إنسان. تقول فاطمة: “أنا كان وزني٧٠ هلقيت ٤٩، غير الضب عليا والشغل عليا غير إنو بجبرني أسخنلها مية وأطبخلها وهي قاعدة، وبهددني فيها بحكيلي والله لأخليها تخبط ع راسكم، ومبارح لسا ضربني بالحجر عشان مرتو”.
كلُّ هذه الانتهاكات وقعت بلا رادع، في ظل تعطل عمل الجهات القانونية نتيجة العدوان على القطاع، ما انعكس بشكل مباشر على صحة فاطمة الجسدية والنفسية، إضافةً لغياب الرعاية الطبية اللازمة.
تقول فاطمة: “ومن وقت ما صار معايا جلطة لازم آخد إبر للسيولة، بس من أول الحرب ما أخدتهاش لأنها مش متوفرة ومع القصف والصوت العالي كان يصير معايا وجع راس شديد ووداني بطلت أسمع فيها منيح ومن الضرب والضغط بتوتر وبعصب كتير”.
لم تعد تقوى على الاحتمال، ولم تجد منفذًا للهروب من الواقع الذي تعيشه، حتى غدت فكرة الموت خلاصاً لها من واقعها القاسي. واقعٌ اجتمع فيه قهرِ الزوج، وقمعِ الأب، وغياب العدالة.
تقول فاطمة بكل ما يحمله قولها من أسى: “جديد عرفت إنه زوجي تزوج عليا ومحدش سائل فيا، ولا قادرة أشوف ولادي، وأبويا بقول لأخويا أنا بدي أعيش من وين جياني هادي اقتلها وأنا بشيلها، ومن الضغط صرت لما أنضرب أشفر حالي بالحديدة لعند ما بنزل الدم، قبل أسبوع ربطت حبل بالهواية وكنت بدي أنتحر، ايش بدي أعمل وين أروح نفسي أشرد منه بس فش حد إلي بالدنيا يعني هادي حياة، هادي حياة؟”.