أغسطس 25, 2025
فقدته وبقيت وحدي
فقدته وبقيت وحدي

قصة سميرة واحدة من بين آلاف النساء اللواتي فُجعن نتيجة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تروي قصتها وكل ما فيها يبكي، تحكي عن الفقد الذي لا يعوّض والغياب غير المفسر، عن ولدها وحبيبها، عن السند الذي غاب، وعن تيهها ووحدتها من بعده.
لم يكن لها مجرد ابن، كانت ترى فيه العالم بأسره، والعوض عن كل ما فقدته “ربنا عوضني فيه عن كلشي، عن الأهل والإخوة والزوج وكل الناس. كان حنون ويجيبلي الأكل ويعبيلي ميا ويساعد غيره”. كان نجدتها وسندها في كل أمر، إلى أن حاصرت المجاعة بطون الغزيين، وأصر ابنها على الذهاب لجلب الطحين مهما كلف الثمن. وأمام إصراره، سمحت له سميرة بالذهاب على أن يرافقه والده. تقول “ابني أصر بده يروح يجيب طحين. أبوه يحكيله انت روحها لأمك بلاش يصيرلك اشي، بس ضل مصر. راح مع أبوه وصاحبه والجيران، والكل رجع إلا ابني”.
لم تترك سميرة مكانًا لم تبحث به عن ولدها، ذهبت للمستشفيات وتقصت الأخبار، حتى صارت تبحث عنه في وجوه المارة وتسأل عنه كل شخص تراه، تعرفه أو لا. “ضليت للعصر أستناه. وبعدها رحت أدور عليه بالمستشفيات، ما خليت مكان إلا ودورت فيه”. ثم وصلت الأخبار عن مقابر جماعية، وعن جثث دهستها الدبابات واختفت ملامحها، وعن أمهات تعرفن على أبنائهن من ملابسهم، تقول سميرة “حكوا عاملين مقابر جماعية بس بعدها بينت وعرفوا المدفونين فيها، حتى اللي داست عليهم الدبابات أهلهم عرفوهم من لبسهم. لجأت لمؤسسات أسأل إذا أسير وحكولي ما في معلومات. طب أنا وين ابني؟ لو شهيد ما بعرفله قبر ولو أسير ما بعرف مكانه!”
تقول “حاسة حالي مش أنا، من يوم ما انفقد فقدت روحي معه وصرت زي التايهة”. سميرة اليوم جسد بلا روح، وكل شيء حولها يحمل ذكراه. في مثل هذه المحنة تحتاج إلى من يداوي جروحها ويطبطب على وجعها، لكن ما من مجيب. ولا تجد حولها سوى زوجها الذي يستكثر عليها حتى حقها في الحزن. تقول “دائمًا مشاكل مع جوزي وبيعصب وبيقاتلني عشان بضل أتذكر ابني وأعيط عليه”، ولا يكتفي بذلك بل يعنفها لفظًا وفعلًا تارة، ويهددها تارة أخرى “بصحى بالليل بعيط بيصير يخبطني ويبهدلني. بيحكيلي صرتي مريضة نفسية، لو متي مش هزعل عليكي ولو مرضتي هبعتك عند أخوكي”. لكن أكثر ما يؤلمها هو مواجهتها بما لا تستطيع تحمله “بيضل يحكيلي ابنك راح الله يرحمه. بحكيله انت شفته بيقلي لا بس مش هيرجعلك”.
حتى ابنتها الصغيرة بدأت تردد كل ما تسمعه بلسان لم يتقن الكلام بعد “بنتي بتقلي بتعيطي على ابنك يا حمارة”، لتكشف ببرائتها أسلوب تعامل الزوج.
وزيادة على كل هذا الوجع الذي يحمله قلبها المكلوم، فقد تحملت من بعد ابنها المسؤولية وحدها، تقول “جوزي ما بيتحمل الخيمة وبيضل طول النهار طالع. من بعد ابني صارت المسؤولية عليا، أنا اللي بعبي وبحمل الميا”.
لم تعد سميرة تجد من يدافع عنها أو يحنو عليها “كان دائمًا في مشاكل مع جوزي ونتقاتل وابني اللي يدافع عني، هلقيت مين بده يدافع عني؟ كان صاحبي وسِرّي، من بعده صرت أحكي مع حالي”. تعاني سميرة من غياب الدعم النفسي من زوجها وأهلها “أنا محتاجة أهلي، محسيتش بحنان الأم والأب”.
تختم سميرة حكايتها بنهاية مفتوحة وسعي لا يكل في البحث عن فقيدها، توكل أمرها لله وتدعوه في كل حين أن يكشف لها مصيره، لتهدأ نار قلبها.

Other Topics