أغسطس 28, 2025
كل الأبواب مؤصدة
كل الأبواب مؤصدة

عاشت دنيا في بيت لا تعرف فيه الراحة، بين عنف من الزوج وإهانة من عائلته. قضت سنوات زواجها في خدمة زوجها المريض، وزاد العبء عليها مع بداية العدوان الإسرائيلي في ظل حاجته لرعاية خاصة وللمبيت في المستشفى، بينما الخطر يحدق من كل مكان دون أي مساعدة من عائلته، تقول دنيا “في بداية العدوان، كنت أنام فيه بالمستشفيات ومحدش معايا”. ثم جاء الموت مباغتًا، استشهد زوجها بفعل القذائف بعدما حوصرت العائلة في مدرسة للإيواء، ومن بعدها بدأت مرحلة جديدة في حياة دنيا.

لم تُمنح دنيا فرصة للحزن والحداد، حيث بدأت الضغوطات تلاحقها من كل جانب، على مستوى عائلة زوجها وحتى على مستوى المجتمع المحيط.

بعد ثلاثة أيام فقط من وفاة زوجها، حصلت مشادة بينها وبين والد زوجها في ساحة المدرسة وأمام مرأى ومسمع من جميع النازحين فيها، ليفاجئها بقوله “الحبل بينا وبينك انقطع، روحي شوفي أهلك وين قاعدين”، تعلق دنيا “معنى كلامه إنهم ما بدهم إياني، بس سكتت وعديتها وصرت أجمع الخشب وأنقل الميا وأعمل الأكل”. لكن رغم ذلك لم تسلم، تقول “بعد كم يوم من استشهاد زوجي، عمي حكالي روحي على البيت اطمني عليه”، تزامن ذلك مع سماعها لهمسات النازحين حول نية سلفها المطلق للذهاب إلى بيت العائلة، وبدأت تدور أحاديث مشبوهة عنهما.

بعد وفاة زوجها، صارت دنيا تشعر أن الناس يتجرؤون عليها في القول والفعل وحتى بالنظرة كما تصف “نظرة الناس اختلفت، فصرت لما بدي أشتري اشي مثلًا، أتعامل إنه زوجي موجود عشان محدش يتطلعلي بنظرة غلط”، تحتمي دنيا بظلٍ لا وجود له، لكنها تجد فيه خلاصها من مجتمع لا يرحم.

كانت حياتها مع عائلة زوجها عبارة عن سلسلة من العنف، وكل فرد من العائلة له أسلوبه في الإساءة إليها. أخوات زوجها يستولين على كل المساعدات التي تأتي باسم دنيا، ويتركنها وأولادها يشتهون ما فيها، تقول “لما تيجيني كابونة بنت حماتي تاخدها مني، بحس حالي زي الشحاتة وأنا بطلب اشي من أغراضي وترفض. صرت أضطر أطلب من الجيران وبرضو مش فارق معاها”، وكذلك الحال مع ممتلكاتها الشخصية “لما أطلع برجع ما بلاقي أغراضي، لما بسأل عنهم بيحكولي إذا خايفة على أغراضك، تطلعيش!”، بهذه البساطة والاستحقاقية.

كل شيء كان يُنهب منها، حتى أطفالها. تقول دنيا “ابني الصغير لما يجي يتدلل عليا، تبحلق فيه عمته عشان يبعد عني، حتى النوم منعتهم يناموا عندي”. وأما ابنها الكبير، فقد صار يتطاول عليها بتحريض من عمته “طلعت ساعتين ولما روحت ابني صار يصرخ ويقول: من الصبح طالعة! على حسب كلام الجيران إنه عمته اللي بتحرضه”.

سلفها المطلق يعاني هو أيضًا من تدخل وتحكم عائلته بشؤونه، عرض عليها الزواج وكانت قد بدأت تقتنع بالأمر إلى أن وجدته يتخطى حدوده، تقول “حسيت إنه بدأ يتمادى وطلع عندي على الغرفة، صرت أخبط وأكسر عشان يطلع. صار يحكيلي: لو قلتي اه أو لا، غصب عنك هاخد!”، لم تستوعب دنيا جرأته وكلامه خصوصًا وأنه كما تقول “الو معاني كتير”. وحين اشتكته لعائلته لعلهم يوقفونه عند حده، لم يحاولوا نجدتها، بل صار والد زوجها يتهمها “لما صار يشوف سلفي مهتم فيا، تمادى بكلام سيء وصار يحكي: روحي تجوزيه ما انتو بتحبوا بعض. يومها صرت ألطم وأحكيلهم: أنا مش قاعدة عندكم غير عشان الأولاد”.

لا يكف والد زوجها عن إهانتها، وتمادى إلى ضربها، تروي دنيا ما حدث “كان عمي بيتقاتل مع ابنه، قلتله وحد الله فضربني بالقشاطة وطردني، وبنت حماتي ضربتني. رحت عند أهلي يومين ولما رجعت انصدمت إنه متهمني قدام الناس بإني هاجمة عليه بشاكوش”.

يسيؤون معاملتها وتعود في كل مرة، لأنها لا تجد خيارًا آخر خصوصًا وأن والدتها قد صارحتها بالقول “بتيجي لحالك، أولادك لا. لو بدي آخدك مع ولادك هيقولوا بدنا نشحت عليهم”. تقول دنيا “أهلي ما حضنوني. مرة أخدت ولادي زيارة عليهم، أخويا ضربهم، حسيتهم مش متحملينهم”. لذلك صارت دنيا تفضل أن تخفي عن عائلتها ما تتعرض له “مكنتش أحكي لأهلي اشي وأغطي علامات الضرب وبالآخر أرجع عشان ولادي”.

تحملت دنيا كل شيء لأجل أبنائها، حتى حدث ما فجر الأمور. نشب خلاف بينها وبين والد زوجها نتيجة سوء فهم لا ذنب لها فيه، لكن نتيجته كانت وخيمة عليها “عمي رجع يحكيلي الحبل بينا وبينك انقطع، وابنه يُقلي: اطلعي بدناش إياكي. وراح لولادي يهددهم ويضربهم عشان يقولوا: بدناش أمنا”. وأمام كل هذا الجبروت، قررت دنيا المغادرة وهذه المرة بلا عودة، لكن مغادرتها لم تكن نهاية معاناتها.

“اجى أخويا الكبير وأخدني عنده على مدرسة، بعدها صار خلاف مع مرته فرحت عند والدتي بنفس الصف بس بقسم تاني، ما ضليت أسبوعين وأخويا التاني اللي مع والدتي صار يستفزني ويتمادى بالكلام ويطردني، أخويا الكبير لما عرف عصب وواجهو فكان رده: انت إحواها!  فصرت أنام عند والدتي وأكل مع أخويا الكبير”. وهكذا بقيت دنيا مشتتة بين هذا وذاك دون استقرار إلى أن اضطر أخوها الذي وجدت فيه أمانها، إلى الانتقال إلى مكان آخر “صار مشاكل بين إخوتي وأخويا الكبير طلع من المدرسة وما كان في مجال ياخدني معاه. من بعدها أخويا التاني أخد مني الفرشة والحرام وصرت آكل لحالي”.

اليوم، تعيش دنيا مستقلة عن أهلها حتى في طعامها، مجرد أنها تشاركهم النزوح في نفس المكان، ولا يرف لهم جفن مع علمهم بعدم وجود مصدر دخل لها “برمضان يمكن أكلت 3 مرات بس، وبفطر على ميا عشان ما أطلب من حد”، وإذا فكرت أن تشتكي لوالدتها من سوء تعامل أخيها معها، يكون الرد “روحي لأخوك اللي جابك، ملناش دعوة فيكي”. ورغم ذلك لم يتركوها وشأنها كما تقول “أمي وأخويا بيشكوا فيا وبيقولوا عني بطلع من وراهم مع إني كل مشوار ببلغهم وين رايحة”.

يبدو وجع دنيا أكبر من أن يُحتمل، خصوصًا بعد فصلها عن أطفالها وجفائهم معها “ولادي بشوفهم غصب عنهم وعن أهل جوزي. بس تصرفهم مش طبيعي، ولادي ما كانوا هيك. كل ما بدهم يقربوا مني تتطلع فيهم عمتهم ويبعدوا عني”. حتى المحامي الوسيط لاحظ الأمر “المحامي حكا لي ولادك ملقنين”.

تعاني دنيا نتيجة بعدها عن أبنائها، خصوصًا في ظل العدوان واستمرار أوامر الإخلاء والنزوح القسري، فلا تعرف لهم مستقر.

لم تطلب دنيا أكثر من حياة بسيطة كريمة برفقة أبنائها، لكنها وقعت بين عدة أطراف، لم يرأف لحالها منهم أحد، والقلوب التي يُفترض أن تكون أول من تحنو، كانت أول من جرح.

Other Topics