في أحد المخيّمات المنسيّة، حيث يصير السهل صعبًا والصعب مستحيلًا، تعيش فدوى وقد فقدت كُلّ شيء.
مع اشتداد وتوسّع عدوان السابع من أكتوبر 2023، اضطرت للنزوح من بيتها نحو الجنوب، فاعتقل الجيش الإسرائيلي زوجها في الطريق وبقيت هي مع أطفالها تنزح من خيمةٍ إلى أخرى لما يقارب العام. ثمّ خرج زوجها من الأسر، لكنّ معاناة فدوى لم تنتهِ عند ذلك كما ظنّت، بل بدأت فصلًا جديدًا منها، حيث تحوّل زوجها إلى شخص آخر بسبب التعذيب الذي تعرّض له في السجون الإسرائيلية. “كان معه صدمة من العذاب اللي شافه. صار واحد تاني، مش هو! لعن، سب، غلط، بيتحمّلش كلمة من حد، لو لقي إشي قدامه بيكسره على راسي”، وهكذا، فما لبثت فرحتها بعودته حيًا أن انقلبت إلى صدمة وخوف ووجع.
“بيحط السكينة على رقبتي وبيجرحني، بيعضّني، بيضربني ببربيش (خرطوم المياه). مرّة رمى عليَّ حجر كبير لو صابني كان موّتني على المطرح. جسمي بيصير أزرق ووارم”، بهذا تصف فدوى تصرّفات زوجها معها، دون أن تدخل في تفاصيلٍ أبعد، ثم تنظر لطفلتها الصغيرة وتروي بحسرة على الحال الذي وصلت له هي وأطفالها. “مرة ضربني وخنقني، ومسك السكينة بإيده وأجى يجري عليّا بده يضربني فيها ببطني، تخبّيت بالحمام، بنتي صارت تعيط وتقول: ماما ماتت”.
حين يصبح الجوع هو سبب الخلاف اليومي، لا يبقى هناك ما يُبنى عليه حوارٌ أو تفاهم، فهو حقٌّ لفدوى وأطفالها، والذي يبدو مهمّةٌ مستحيلة لزوجها. “مشاكلنا صارت على قصّة الأكل. فش عندي أكل وأولادي بيعيّطوا وبيموتوا جوع قدامي. بنقعد بالأيام فش خبز وبنضل على شوربة العدس، بس حتى العدس بطّل متوفّر” وتكمل “مش من كتر الأكل بطلب منه، بس فش عندي!”
وتكون ردّة فعل الزوج أمام مطلب فدوى الطبيعي والأساسي في توفير الطعام هي التعنيف والضرب والإهانة. “بيعلّي صوته وبيغلط بأهلي، بيحكيلي: أبوك عميل، أمك رقاصة، فش الك أهل، أوسخ مرة، داشرة وشوارعية. ما بيخلّي كلمة إلا بيحكيها”، حيث يأتي تصرّفه في محاولة منه لإحراجها أمام الملأ، فحياة المخيمات لا تحجب صوتًا ولا حتى همسًا، مما يجعل فدوى في وضع دفاعٍ مستمر لنفي اتهامات زوجها. “الناس لما بيسمعوه بيصدقوا وبيجوا يسألوني إذا أهلي فعلًا هيك. بيعلّي صوته بالعامد عشان يسمع الناس وما أطلب منه إشي. بدّه إياني أكون خرساء وطرشاء وعمياء”.
تدرك فدوى أنّ زوجها لم يكن بهذه القسوة، لكن اجتماع العدوان وعذاب الأسر والفقر وحياة الخيام عليه، جعلوه قنبلة مشتعلة على الدوام. “هو عصبي من قبل، بس مع قلّة المال ومريض ومش قادر يوفّر لأولاده أكل، وعيشة الخيم، بطّل الواحد يتحمل”. لكنها من جهةٍ أخرى، انقطعت عنها السبل، خصوصًا بعدما عادت من جنوب القطاع إلى شماله أثناء الهدنة الوهمية القصيرة على أمل أن تجد بيتها وممتلكاتها، فوجدت أنّ العدوان قد سلبها إياهم. “لو في عندي إشي أبيعه كان بعت وشريت أكل، بس فش عندي إشي. الدار راحت كلها، انسرقت وبعدها انقصفت”.
ومع النزوح المستمرّ ثم صدمة فقدانها لبيتها، عاشت فدوى طوال فترة العدوان – وحتى رواية هذه الشهادة – في خيمة مهترئة، فصار أقصى طموحها أن تتوفّر لها خيمة يمكن أن يُطلق عليها لقب مأوى، كما تقول “من أوّل ما نزحنا وإحنا عايشين في خيم. الخيمة اللي إحنا فيها خشبها دايب، بتمنى تطلعلي خيمة أحسن منها”، وتضيف “محدّش فينا قادر يتحمّل حياة الخيم، بس إيش بدنا نعمل؟”
تعاني فدوى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية التي تفرضها عليها حياة المُخيّم، وكذلك أطفالها ومن يفترض بهم أن يكونوا على مقاعد الدراسة أو بين ألعابهم، لكن الواقع يُحتّم عليهم أن يقوموا بمهام أكبر منهم، كما تقول فدوى على سبيل المثال لا الحصر “زوجي مريض وبيعتمد على بناتي الصغار، هما اللي بيعبّوا ميّه (مياه) وبيجيبوا التكيّة. نفسيتهم مدمّرة وما بيختلطوا بحد، بس بيجيبوا وبيشتغلوا وأبوهم بيضربهم”.
وبرغم كُلّ ما مرّت به فدوى، إلا أنّها ما زالت تجدد مطلبها وأمنيتها: “يا ريت لو يصير في إعادة إعمار، ولو يدعموا النساء بمخطّطاتهم ويشركوهم فيها.. هيفرق كتير”. تحلم بإعادة الإعمار واستعادة المدينة لوجهها الذي عرفته، حيث تؤمن أنه سيخفف من معاناتها الكثير، ويهوّن عليها وزوجها وأطفالها ما يقاسونه من جحيم العدوان والخيمة وما ترتب عليها من آثار طالت جميع جوانب الحياة. فمع الخيمة تفاقمت معاناتهم ومع الانتقال منها تكون بداية نهاية المعاناة.
توضيح: الأسماء المستخدمة في الشهادة السابقة هي أسماء مستعارة.
“تم إعداد هذه الشهادة بدعم من مؤسسة هينرش بل والآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر المؤلف/المؤلفين، وبالتالي لا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة هينرش بل.”