ديسمبر 1, 2025
مفاجآت النزوح: وسام بين وهمِ الاستقلال وضياعِ الاستقرار
مفاجآت النزوح: وسام بين وهمِ الاستقلال وضياعِ الاستقرار

بين أربعةِ جدران، عاشت وسام مع زوجها حياةً تتأرجحُ بين خلافٍ ومُصالحة، فقد ظنّت أنَّ بيتها الصغير هو حصنها رغم ما يملؤه من خلافات. لكنَّ عدوان السابع من أكتوبر 2023 الذي شنّه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، قلبَ الموازين، واضطرت وسام إلى النزوح مع عائلة زوجها إلى خيمةٍ ضيّقةٍ، غابت فيها أبسط مقوّمات الخصوصية، وتحوّل الاحتكاك اليومي إلى خلافاتٍ أكبر من قدرتها على الاحتمال.

تقول وسام: “كنت متزوجة قبل الحرب بسنة ونص وكانت حياتي مش أحسن حاجة بس أنا كنت ممشية حالي ومحافظة على بيتي، أحاول أحل الخلافات اللي كانت تصير ما بيننا بهدوء وبدون ما حد من العيلة يتدخل. رغم إنه كانوا أهله يعملولي مشاكل بس اخترت أكمّل معاه، يعني كانت حياتي مستقلّة بس مش مستقرة”.

وتضيف: “بدأت الحرب ومن رابع يوم طلعت من بيتي وبديت أنزح مرّة عند أخته، مرّة عند أهله، ولحتى الآن ما كان في مشاكل. بعد أسبوع أجاني خبر إنه بيتي راح، هان صار معي انهيار عصبي لما عرفت، قعدت ٣ أيام لا آكل ولا أشرب لأنه أنا حد بيقدّس الخصوصية وكنت عارفة إنه اللي بطلع من داره بينقل مقداره”.

نزحت وسام إلى الجنوب بجسدٍ متعب وروحٍ تبحث عن مأوى، مرّت عبر حاجز الجيش الإسرائيلي ورائحة الموت على الطرقات. غيرَ أنَّ ما واجهته بعد الوصول لم يكن أقلّ قسوة؛ إذ وجدت نفسها تحتَ ضغطٍ متواصل في بيت العائلة، وأُجبرت على العمل المرهق وسط الانتقادات المؤذية. تحكي وسام: “مشيت الأيام ونزحنا عند دار قرايبه في الجنوب طلعنا عن طريق الحاجز وكان الطريق جداً صعب. شفنا جثث الشهداء على الأرض، وصغار وكبار بعيطوا، وعند ما وصلنا دار قرايبه، العيلة تجمّعت كلّها وصاروا يضغطوا عليا على الشغل بحجّة إنه الكنّة كُل ما اشتغلت أكتر كُل ما عجبت حماتها أكتر، كان ييجي علي آخر النهار أحس ظهري بيتمزّع من كتر التعب”.

منذ تلك اللحظة، والمشاكل بين وسام وعائلة زوجها الممتدّة تزداد وتتراكم، بينما هي تعضّ على معاناتها ولا تُشارك ما يحدث لها مع أهلها، ظنًّا منها أنّها ستقدر -كما في السابق- على حلّ تلك المشاكل بنفسها. حتى جاء يومٌ طفح فيه الكيل عند وسام، فأخبرت زوجها بأنّها تريد الانتقال عند أهلها في خانيونس. تروي وسام: “رحنا، وهناك صار جوزي ينكّد عليا ويحسّسني إنه ما إله خصوصية وأجبرني أطلع وأرجع عند أهله”.

ما كان من وسام إلّا أن تتحرّك مع زوجها: “طلعت وقعدت في خيمة عند أهله ويا الله ما أسوأ عيشة الخيمة، من الشوب، من البرد، فش خصوصية، إزعاج ودوشة بتقدريش تحكي كلمتين براحتك، بتقدريش تفوتي الحمام براحتك، والضو لازم نحطّه بطريقة إنه ما يخايل، بنخاف الشادر يوقع، غير الأمراض يعني أنا مرضت في الخيمة مرضة ما صارت بحياتي”.

تكمل وسام: “ما رضي زوجي يعمل لي خيمة لحالي، وكان سلفي ينام معنا واضطريت أضل 24 ساعة في أواعي الصلاة وطول الوقت خايفة وأنا نايمة يبين إشي من جسمي. سكتت شوية بس بعدين طفح فيّا الكيل وحكيت لزوجي خلص أنا بدي أطلع مش قادرة”.

في خيمة تنتهك خصوصيتها؛ إذ لا جدار يحمي سرَّها، ولا ستار يحجبُ نظرات الآخرين عنها، عاشت وسام مجبرةً على البقاء في ثياب الصلاة طوال الوقت، وتعرّضت بالرغم من ذلك كُلّه لمضايقات لفظية من عائلة زوجها دفعتها للشعور بعدم الأمان والرغبة بترك كُلّ تلك البيئة. تكمل وسام حكايتها: “ومن هان بدأ التحريض وبدأوا يطفّشوا فيّا ويعملوا كُل إشي بضايقني. صرت شايفة حياتي عم تنهار، حاولت أحافظ عليها بس ما كان في نتيجة. بعدها صارت الهدنة ورجعنا على الشمال على بيت أخوه، والعيلة كلّها طبعًا في دار واحدة، وصاروا يحكوا علي طول الوقت ويعملوا مشاكل من تحت الأرض وبدهم خلفة”.

وسطَ الظروفِ القاسية التي عاشتها وسام، لم يكن استقرارها الأُسري بمعزلٍ عن هذه الضغوط، فتدخّلاتِ العائلة المحيطة جعلت علاقتها بزوجها تتدهور بسرعة، لتكتشفَ فجأةً أنها ليست فقط عالقةً في خيمة بلا خصوصية، بل ضحيةً لقرارِ طلاقٍ مفاجئ أنهى زواجها دون إنذار.

تقول وسام: “أنا من كتر التعب حكيت لزوجي بدي أروح عند أمي أبات يومين، وهناك ما سأل علي وفي اليوم التاني رن بيحكيلي أنا بكرة رايح أخطب، فكرته بيمزح أولها، بس عادها كمان مرّة وسكّر الجوال، أنا سمعت هيك وسحبت حالي ورجعت على دار أخوه، فتح لي الباب وصار يغلط علي وأنا مش فاهمة إيش صار ويحكي لي: إنتِ مش سائلة عني وإنتِ بتخلّفيش، وصار يحكي كلام مش مزبوط وبالآخر عصّب وحكى لي: إنت طالق”.

وتضيف: “أنا حردت عند أهلي وعرفت هناك إنه رايح على المحامي وكاذب عليه ومعطيه بيانات غلط وحكالهم هي موافقة وطلع ورقة طلاق. كل هذا وأنا مش عارفة، وهيني صرت مطلقة. يعني أنا انخرب بيتي وبيوت كثير رح تنخرب بسبب هذا الحال. الخيمة ذل والنزوح عند الناس ذل، لو في إلي مكان أقعد فيه لحالي كان ما صار اللي صار”.

دون أن تُمنح حتى حقّ الدفاع عن نفسها، تحاول وسام استيعابَ ما جرى، كأنّ النزوح كتبَ عليها أن تخسرَ مرتين؛ مرةً حينَ خسرت بيتها البسيط، ومرةً حينَ خسرت بيتها الزوجي، فأصبحت أمامَ نهاية مُوجعة لم تُفكّر هي بها برغم ما قاسته.

وسام واحدة من العديد من الفتيات اللاتي واجهن نفسَ المصير، وانتهت زيجاتهن بالطلاق المفاجئ ووقعه العنيف، إثرَ غياب المسكن والأمان، وكما حذّرت هي وغيرها، فإن هذه الفئة ستزداد إن لم تحدث حلولٌ حقيقية لإعادة الإعمار وإعادة الترابط الأسري واحترام النساء.

توضيح: الأسماء المستخدمة في الشهادة السابقة هي أسماء مستعارة.

“تم إعداد هذه الشهادة بدعم من مؤسسة هينرش بل والآراء الواردة تعبّر عن وجهة نظر المؤلف/المؤلفين، وبالتالي لا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة هينرش بل.”

Other Topics